يشرح الدكتور زيسيس مارمارليس في هذا التحليل كيف كشفت أزمة الطاقة العالمية هشاشة الاعتماد على الوقود الأحفوري، حيث أبرز إغلاق مضيق هرمز حجم المخاطر التي تواجهها الأسواق العالمية. ويؤكد أن استمرار اضطراب الإمدادات، إلى جانب ارتفاع تكاليف التأمين ومراقبة إيران لحركة الشحن، يفرض واقعًا جديدًا يدفع أوروبا لإعادة التفكير في استراتيجيتها الطاقوية. كما يلفت إلى أن تضرر منشآت إنتاج الغاز الطبيعي المسال في قطر ساهم في تقليص الإمدادات، ما يدفع الأسعار للبقاء مرتفعة خلال الأشهر المقبلة.


ينشر موقع تشاتام هاوس هذا التحليل في سياق متابعة تداعيات الأزمة، حيث يشير إلى أن أوروبا، رغم اعتمادها المحدود نسبيًا على غاز الخليج، تواجه ارتفاعًا في الأسعار نتيجة المنافسة العالمية على الإمدادات. ويدفع الاتحاد الأوروبي فاتورة إضافية ضخمة لواردات الوقود الأحفوري منذ اندلاع الحرب، ما ينعكس على التضخم ويضعف توقعات النمو، خاصة في ظل تحذيرات صندوق النقد الدولي من هشاشة استقلال الطاقة في منطقة اليورو.


أزمة الطاقة تضغط على أوروبا


تكشف الأزمة الحالية عن مدى ترابط الأسواق العالمية، إذ ترفع القيود على الإمدادات الأسعار في أوروبا نتيجة المزاحمة مع المشترين الآسيويين. وتظهر الأرقام أن الاتحاد الأوروبي تكبد مليارات إضافية لتأمين احتياجاته، بينما يعاني الاقتصاد من تبعات تضخمية واضحة. وتدفع هذه الضغوط المؤسسات الأوروبية للتحرك، حيث أطلقت المفوضية الأوروبية حزمة AccelerateEU التي تستهدف خفض التكاليف وتقليل الاعتماد على الأسواق المتقلبة.


تعتمد هذه الحزمة على إجراءات قصيرة الأجل تشمل تنسيق تخزين الغاز وتقديم دعم مؤقت، إلى جانب خطوات طويلة المدى لتعزيز الكهرباء النظيفة وربط الشبكات عبر الحدود. ورغم أن هذه التدابير غير ملزمة، فإنها تمثل إشارة سياسية مهمة نحو الاستمرار في مسار خفض الانبعاثات باستخدام أدوات السوق، وعلى رأسها تسعير الكربون.


تسعير الكربون كأداة استراتيجية


يرى التحليل أن الطاقة النظيفة المحلية تمثل الحل الأكثر استقرارًا لتقليل التعرض للصدمات الجيوسياسية. وتؤكد تجارب دول مثل إسبانيا واليونان أن زيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة تخفف من تقلب أسعار الكهرباء. ورغم أن هذه المصادر متقطعة، فإن التطور الكبير في تقنيات تخزين الطاقة، خاصة البطاريات، يجعل الاعتماد عليها أكثر واقعية.


يشكل تسعير الكربون الأداة الأساسية لدفع هذا التحول، حيث يفرض نظام تداول الانبعاثات الأوروبي سقفًا للانبعاثات ويجبر المنتجين على شراء حصص مقابل التلوث. ويساهم هذا النظام في تقليل الانبعاثات بشكل ملحوظ منذ إطلاقه، كما يشجع الاستثمار في الطاقة النظيفة ويحد من استيراد الوقود الأحفوري، ما يؤدي إلى استقرار الأسعار على المدى الطويل.


يحقق هذا النظام أيضًا عوائد مالية كبيرة يمكن توجيهها لدعم الفئات الأكثر تضررًا وتمويل مشاريع التحول الطاقي. كما لعب دورًا مهمًا في تقليص استخدام الفحم، الذي يحمل تكاليف بيئية وصحية مرتفعة. ويحذر التحليل من أن إضعاف هذا النظام قد يدفع الدول للعودة إلى الفحم مع ارتفاع أسعار الغاز.


انقسامات أوروبية وتحديات مستقبلية


يثير تسعير الكربون جدلًا داخل أوروبا، حيث تطالب بعض الدول بتخفيف القيود لحماية تنافسية صناعاتها، بينما تدافع دول أخرى عن استمرار النظام. وتحاول المفوضية إدارة هذا التوازن عبر تعديلات محدودة تهدف إلى تهدئة التوترات السياسية دون تقويض الهدف الأساسي.


في الوقت نفسه، تتبنى بعض الدول سياسات وطنية لدعم الطاقة التقليدية، ما قد يضعف وحدة السوق الأوروبية ويقوض مبدأ “الملوث يدفع”. ويؤكد التحليل أن هذه الإجراءات قصيرة النظر قد تعرقل التحول نحو الطاقة النظيفة.


على المدى القصير، تحتاج أوروبا إلى الغاز الطبيعي المسال لتلبية الطلب، لكن الاعتماد المستمر عليه يربطها بتقلبات السوق العالمية. أما على المدى الطويل، فيبقى الحل في تقليل الطلب على الغاز عبر تسريع التحول إلى الطاقة النظيفة.


يخلص التحليل إلى أن بناء نظام طاقة نظيف محليًا يعزز الاستقلال الاقتصادي ويقلل التعرض للأزمات الجيوسياسية، مع دعم التزامات المناخ. ورغم أن حزمة AccelerateEU تمضي في الاتجاه الصحيح، فإن نجاحها يعتمد على مدى التزام الدول الأعضاء بتعزيز تسعير الكربون وتسريع نشر الطاقة النظيفة.

 

https://www.chathamhouse.org/2026/04/strait-hormuz-energy-crisis-shows-eus-carbon-pricing-right-approach